الفروقات في نسب الوفيات بين الدول، وما يجب ان تعرفه

استوقفني اليوم عدد من المنشورات (5 او 6) على فيسبوك تتكلم عن الاختلافات في نسبة الوفيات بين الدول، وتحليلات اصحاب تلك البوستات للاسباب المسؤوله عن ذلك التباين، فمثلا اقترح احدهم ان العرق قد يكون له دور، وهذا ليس بعيد عن معتقد خامنئي بان الكورونا المستجد صمم في مختبر ليستهدف الجينات الايرانيه، واخرى تعتقد، (وهي محقه جزئيا في اعتقادها) بان معدل عمر السكان، وعادات الشعب وامراضه الشائعه، ومستوى الرعايه الطبيه لها الدور الاساس في الفروقات في نسب الوفيات، وفي هذا المقال ساوضح لماذا اقول جزئيا، فهي ستكون محقه اكثر لو ان الفروقات في نسب الوفيات كانت اقل، لكن الفروقات الشاسعه في الارقام من الصعب ان تتسبب بها العوامل اعلاه، وهنا اقتباس من منشورها

بإيطاليا نسبه الوفاه ١٠٪ مش ٢٪
بإيران نسبه الوفاه ٧.٦٪
بالصين ٤٪
لكن مثلا بألمانيا نسبه الوفاه حول ١٪ و بأمريكا لا تزال ١.٥٪

وفي حقيقة الأمر، كل المذكور اعلاه لا يشكل الا جزء صغير من هذه الفروقات العملاقه، بالاضافه الى ذلك، فان متوسط العمر في المانيا اعلى من ايطاليا، ففي المانيا المتوسط بحسب احصائات 2016 هو 46.8 سنه، وهي تحتل المركز الثالث عالمياً في الكهوله، بينما المتوسط في ايطاليا هو 45.1 سنه وتحتل المركز السادس في الكهوله بحسب نفس الاحصائيه (وهي بالمناسبه منشوره على موقع ال سي اي ايه فاكت بوك عام 2016)، اتمنى ان تكون هذه المقدمه قد وضعتكم في الجو الذهني الصحيح لما سيأتي

هنالك سببان اساسيان واضحان للتباين، احدهم هو الطاقه الاستيعابيه للمستشفيات (وهذا يختلف عن مستوى تطور الطب في البلد قيد الدراسه)، والثاني وهو الاكثر تأثيراُ في هذا التباين، هو عدم دلالية الارقام على النسب الحقيقيه، وساشرح بالتفصيل عن السببين.

السبب الاول، وهو الطاقه الاستيعابيه للنظام الصحي، فغالباً ما نسمع بمصطلحات جديده نسبياً مثل تسطيح المنحنى، ومناعة القطيع وما الى ذلك، وهنا ساستخدم منحنى من موقع السي دي سي الامريكيه (مركز التحكم بالعدوى التابع للحكومه الامريكيه ) لتوضيح مفهوم تسطيح المنحنى، وساتبعه بشرح عن تاثير هذه العوامل على معدلات الوفيات والتباين الظاهري فيما بينها.

في الرسم البياني التالي، يوجد منحنيين، منحنى باللون الاحمر، وهو المنحنى المتوقع لكمية الحالات وذروتها، والتي ستضهر في ان واحد اذا ترك الفايروس للانتشار بدون اجرائات احترازيه، ومنحنى اخر باللون الرمادي والذي يمثل المنحنى المتوقع لعدد الحالات وذروتها اذا اخذت الاحتياطات الكافيه. وخط افقي يمثل قدرة النظام الصحي الاستيعابيه.

اهمية هذا المنحنى تكمن في السيناريو التالي، فلنفرض جدلاً اننا في دوله فيها 200 غرفة مستشفى مجهزه بجهاز الفينتيليتور الضروري لحياة المريض الذي اصابته النومونيا بسبب الفايروس، ولنفرض جدلا (وهو قريب من الواقع نوعاً ما) ان المريض الذي وصل الى مرحلة النومونيا الحاده سيعيش اذا وجد له جهاز، وسيموت اذا لم يوجد له جهاز.

والان لنفرض ان عدد الحالات الحرجه وصل في تلك البلد الى 100 حاله، بالفرضيات السابقه، فان عدد الوفيات المتوقعه هي صفر. والان لنفرض اننا لدينا 220 مريض بحاله حرجه، فاننا يمكننا ان نتوقع 20 حالة وفاه، الفكره هنا ان 100% من المرضى المتجاوزون عدداً لل200 سرير سيموتون، فاذا كان لدينا 4000 حاله حرجه، فان 3800 حاله سيموتون.

ما تقصده منظمة الصحه العالميه، ومراكز ضبط العدوى، والمؤسسات الحكوميه بتسطيح المنحنى هو الابقاء على عدد الحالات الحرجه اقل من السعه الاستيعابيه للنظام الصحي (تحت الخط الأفقي).

وللعوده الى موضوعنا عن التباين في الوفيات، فان الدوله التي تجاوزت طاقة نظامها الصحي الاستيعابيه، ستبدا نسبة الموتى فيها بالارتفاع، لكن مهلاً، الا يعني هذا ان النسب الأعلى هي نسب في الحقيقه اقرب الى مقياس فتك (قتل) الفايروس الحقيقي ؟ الجواب ببساطه هو نعم ! هو الرقم الادق لقدرة الفايروس على القتل (البوتينشل القاتل للفايروس)، وهنا اكاد اسمعك عزيزي القارىء تتسائل حول النسب في بداية المقال، وان النسبه الاعلى ادق، وان النسبه الاقل هي نتاج النظام الطبي، وليست نتاج الرقم الحقيقي لقدرة الفايروس على القتل، او بمعنى اخر، فان الفيروس قادر على قتل 10% ولكن الطب في المانيا مثلا منعه (وهذا استنتاج خاطئ بالمناسبه)، وهنا اطلب منك عزيزي القارئ ان تتمهل ريثما ندخل الى الموضوع القادم.

الموضوع الثاني وهو عدم اعتمادية الارقام، او بمعنى اصح، فان ناتج قسمة عدد الموتى على عدد الحالات المسجله لا معنى له، ولا يمثل قدرة الفايروس على الاماته. وقد تتسائل كيف، وتقول لي ان هذه رياضيات الصف الرابع البسيطه.

الكلمه المفتاحيه هنا عزيزي القارء هي (المسجله)، فبحسب جامعة امبيريال كوليدج البريطانيه، فان عدد الحالات المسجله في بريطانيا هو الثلث، حيث تدعي الجامعه في تقريرها ان افتراض وجود حالتين غير مسجلتين مقابل كل حاله مسجله واقعي بالنسبه الى بريطانيا، وهنا سأرفق صورة هرم منشور في ذلك التقرير الأكاديمي للتوضيح.

وبالنظر الى الرسم الذي نشرته الجامعه، فان نسبة الحالات المسجله هي نسبه صغيره من نسبة الحالات المصابه، واذا اردنا حساب قدرة الفايروس على القتل فاننا سنحتاج الى مسح كامل لسكان بريطانيا (وهذا ما تنوي الحكومه البريطانيه فعله قريبا حيث سيتم توزيع فحص الانتيجن على جميع سكان بريطانيا، وفحص الانتيجن سيخبرنا ليس فقط بالحالات المصابه ولكن ايضاً بالحالات التي اصيبت وشفيت من غير ان تعلم)

والان رجوعاً الى معضلتنا عن التباين، وبحسب موقع مراقبة فايروس كورنا الرسمي في ايطاليا (مرفق في نهاية المقال)، فأن كمية الناس التي تم فحصها في مدن شمال ايطاليا (حيث بؤرة الانتشار) هي 1%، وفي الجنوب الايطالي، بعض المدن الفحص فيها لم يشمل سوى 0.005 من السكان (نصف الواحد بالمئه).

وبالتالي فان هرم امبيريال كولج اعلاه لا يمثل ايطاليا، فالحالات المكتشفه في ايطاليا اقل بكثير من الحالات الموجوده، وبالتالي فأن ناتج القسمه سيعود بنسبه كبيره (10%) وستبدو نسبة الوفيات الى نسبة المرضى اعلى في ايطاليا، اما المانيا ذات النسب المنخفضه في الوفيات فقد كانت تفحص باستمرار وبكثره بحسب العديد من المصادر، واشادت عدة مصادر باداء المانيا بنسب الفحص، وعند زيادة نسبة الفحوصات، فان عدد المرضى المسجلين سيزداد (مقام الكسر)، وهذا سيجعل نسب الوفاه تبدوا وكانها اقل من ايطاليا (1%).

، وهنا يجب ان نحذر من لوم ايطاليا على عدم الفحص في هذه المرحله، فاولوياتهم في هذه المرحله هي صرف النقود على علاج المرضى، فمرحلة الاستفاده من الفحوصات المستفيضه قد فاتت،

وهنا ارفق نسب الفحص في ايطاليا كما هي موجوده على موقع الدفاع المدني الايطالي، اما نسب الفحص في المانيا، فمع كل الاشاده والمقالات ولكني مع الاسف ما زلت ابحث عن مصدر رسمي للارقام،

خلاصة المقال هو ان قسمة عدد المصابين على عدد الوفيات لا معنى لها في الوقت الراهن

جدول نسب الفحوصات في المدن الايطاليه، المصدر موقع الدفاع المدني الايطالي
X the population random variable, x the sampled random variable, p the percentage of positive among x (sampled), π the estimated probability of population

One Reply to “الفروقات في نسب الوفيات بين الدول، وما يجب ان تعرفه”

اترك رداً على احمد إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *